ابن الجوزي
109
صفة الصفوة
سليمان : أصحبنا يا أبا حازم تصب منّا ونصب منك قال : أعوذ باللّه من ذلك . قال : ولم ؟ قال أخاف أن أركن إليكم شيئا قليلا فيذيقني ضعف الحياة وضعف الممات . قال : فأشر عليّ . قال : اتّق اللّه أن يراك حيث نهاك ، وأن يفقدك حيث أمرك . قال : يا أبا حازم ادع لنا بخير . قال : اللهم إن كان سليمان وليّك فيسره للخير ، وإن كان عدوّك فخذ إلى الخير بناصيته . فقال : يا غلام هات مائة دينار . ثم قال : خذها يا أبا حازم . فقال لا حاجة لي فيها إني أخاف أن يكون لما سمعت من كلامي . فكأن سليمان أعجب بأبي حازم . فقال الزهري : إنه لجاري منذ ثلاثين سنة ما كلّمته قط . قال أبو حازم : إنك نسيت اللّه فنسيتني ولو أحببت اللّه لأحببتني . قال الزهري : أتشتمني ؟ قال سليمان : بل أنت شتمت نفسك . أما علمت أنّ للجار على جاره حقا ؟ قال أبو حازم : إن بني إسرائيل لمّا كانوا على الصواب كانت الأمراء تحتاج إلى العلماء وكانت العلماء تفرّ بدينها من الأمراء ، فلما رأى ذلك قوم من أذلة الناس تعلموا ذلك العلم وأتوا به إلى الأمراء فاستغنت به عن العلماء واجتمع القوم على المعصية فسقطوا وانتكسوا ولو كان علماؤنا يصونون علمهم لم تزل الأمراء تهابهم . قال الزهري كأنك إياي تريد وبي تعرّض قال : هو ما تسمع . وعن الذيال بن عبّاد قال : كتب أبو حازم الأعرج إلى الزهري : عافانا اللّه وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك : أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعم اللّه عليك فيما أصحّ من بدنك وأطال من عمرك وعلمت حجج اللّه تعالى مما علّمك من كتابه ، وفقّهك فيه من دينه ، وفهّمك من سنة نبيه صلّى اللّه عليه وسلم فرمى بك في كل نعمة أنعمها عليك وكلّ حجّة يحتجّ بها عليك الغرض الأقصى ابتلى في ذلك شكرك وأبدا فيه فضله عليك وقد قال عزّ وجل : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ [ سورة إبراهيم آية : 7 ] فانظر أي رجل تكون إذا وقفت بين يدي اللّه عزّ وجل فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها ، وعن حججه عليك كيف قضيتها فلا تحسبنّ اللّه عزّ وجل راضيا منك بالتعذير ، ولا قابلا منك التقصير هيهات ليس ذاك أخذ على العلماء في كتابه إذ قال : لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [ سورة آل عمران آية : 187 ] إنك تقول إنك جدل ماهر عالم قد جادلت الناس فجدلتهم وخاصمتهم فخصمتهم إدلالا منك